جبهة مدنية واسعة تُناضل من أجل إنهاء الحرب في السودان
جبهة مدنية واسعة تُناضل من أجل إنهاء الحرب في السودان
ميشيل دارسي
مرّ عامان ونصف تقريباً منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023. وقد أدّى النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى انقسامات عميقة في الدولة والجيش والسياسة والمجتمع في السودان، وإلى ظهور أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
مع ذلك، فهناك قوة ثالثة في هذه القصة، قوة لا يسندها البنادق، بل يقف وراءها مقاتلون من أجل السلام، تقودهم الحركة المؤيدة للديمقراطية والقوى الثورية. وقف هؤلاء المدنيون ضد الحرب، مطالبين بحل سياسي، ومشكّكين في شرعية كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، انطلاقاً من أن الانقلاب العسكري الذي دبراه معاً للإطاحة بالحكومة الانتقالية المدنية في أكتوبر2021 أنهى آخر سلطة مدنية حقيقية. لقد دأبوا على تذكيرنا منذ بداية الحرب بأن هذه حربٌ ضد الشعب السوداني، حربٌ ضد الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة. وتقود هذه الحركةَ تحالفاتٌ وجماعاتٌ وأفرادٌ سودانيون يعملون يومياً لإنهاء الحرب. ولا ينبغي الاستهانة بهم. وهذه الحرب تُعدّ، من نواحٍ عديدة، مسعى لتقويض التقدم الديمقراطي الذي تحقّق في عام 2019.
بيد أنه كثيراً ما يتساءل صناع السياسة الدوليون: “لماذا لا يتوحد المدنيون؟ أو نحن بحاجة إلى جبهة مدنية موحدة أوسع ضد الحرب”. لكن هذا التبسيط المُفرط الشائع الآن ينطوي على شيءٍ من الخلل. فهو يُلقي باللوم على المدنيين العزّل الذين يُقاتلون من أجل السلام أكثر من الأطراف المتحاربة نفسها. لماذا يحدث هذا؟ ربما بسبب مزيجٌ من سوء الفهم، والمثالية، والمفاهيم الخاطئة بشأن كيفية تنظيم السودانيين لأنفسهم، بل وربما كوسيلةٍ نفسيةٍ تسمح للمجتمع الدولي بأن يشيح بوجهه عن فشله الجماعي في الاستجابة بشكل مناسب للحرب.
لقد ظل السودانيّون ينظّمون ويقاومون ويكافحون من أجل الديمقراطية والسلام في مواجهة الحكم الاستبدادي والقمع والفساد والحروب الأهلية لعقود. وحافظوا على هذا الالتزام رغم فقدان أرواح لا حصر لها ورغم التضحيات الأخرى التي أدت إلى ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بدكتاتورية استمرت ثلاثين عاماً، وأعادت السلطة إلى الشعب. وتكمن المأساة في أن هذا التحول غير المكتمل لم يدم طويلاً، فقد قطع الانقلاب، ثم الحرب، الطريق عليه. وكلاهما استهدف ما حققته الحركة المؤيدة للديمقراطية. لكن التنظيم في السودان لم يُنجز أبداً من خلال هيئة رسمية هرمية موحدة، بل من خلال تضافر جهود متنوعة لامركزية على مر السنين. وفي حين قد يشكل هذا النهج تحديات فيما يتعلق بالتعامل مع الخارج، فقد أثبت قوته في دفع التغيير. ومنذ بدأت الحرب، واصلت الحركة التنظيم من أجل بلورة رؤية لسودان جديد.
ماهية الجبهة المدنية الواسعة
هي حركة كبيرة متنوعة وقوية تواصل النضال من أجل نهاية سلمية للحرب رغم التحديات والعراقيل الهائلة؛ مع جهود عديدة ذات أهداف مشتركة في مختلف الفضاءات والمنصات.
لا تنضوي الحركة تحت مظلة أو تحالف واحد، ومع ذلك بُذلت جهود كبيرة لتحقيق ذلك، ويتم تنظيم الناس في أشكال مختلفة وينسقون فيما بينهم.
يُعدّ تحالف صمود أحد أقوى تمثيلات الحركة. وتُمثل صمود، بصفتها القوة السياسية الرئيسية المناهضة للحرب، تحالفاً من المدنيين المناهضين للحرب والمؤيدين للديمقراطية، بما في ذلك أحزاب سياسية رئيسية ونقابات عمالية ولجان مقاومة ومنظمات مجتمع مدني. ورغم أنها مرت بعدد من التشكيلات منذ عام 2023، إلا أنها لم تنْحَز إلى أي طرف في هذه الحرب، وتواصل الدعوة إلى حل سلمي للنزاع. وقد واجه التحالف تمحيصاً مكثفاً إلى حدٍ كبير بسبب مشاركته مع الأطراف السياسية الفاعلة (قوى الحرية والتغيير السابقة) واختياره لرئيس الوزراء السابق حمدوك، الذي يعتبره الكثيرون آخر قائد شرعي في السودان ورمزاً لما كان يمكن أن يكون عليه الوضع. لقد تعرّضت صمود لهجوم شرس من طرفي الحرب لأنها تمثل هذه القوة الثالثة – وللأسف منع هذا الهجوم البعض من الانضمام إليها رسمياً رغم توافقهم معها في الأولويات. لذلك من المهم فهم كيفية تنظيم المدنيين السودانيين لأنفسهم داخل هذه التحالفات وبالتوازي معها على السواء في مواجهة العديد من التحديات. هذا هو الشكل العام الذي تبدو عليه الجبهة المدنية الأوسع لإنهاء الحرب حالياً.
Tوهذه الجبهة تشمل الشباب السودانيين الذين كان لهم دور فعال في ثورة ديسمبر وما زالوا يشكلون جزءاً أساسياً من الجبهة المدنية الأوسع لإنهاء الحرب. وتضم حركة الشباب أعضاء سابقين في لجان المقاومة والمجتمع المدني وآخرين ممن واصلوا عملهم في تقديم الخدمات الإنسانية لمجتمعاتهم من خلال غرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية الأخرى أو من خلال المناصرة السياسية عبر جهود مثل الشبكة الشبابية السودانية لإنهاء الحرب والتأسيس للتحول المدني الديمقراطي التي أجرت مشاورات شبابية واسعة النطاق، ووضعت أجندة شبابية لإنهاء الحرب تُستخدم الآن أداة للمناصرة. كما تُنظّم النساء السودانيات أنفسهن من أجل إنهاء الحرب من خلال عدد من الجهود. فقد دعين إلى وقف إطلاق النار، ورفعن أصوات النساء في مشاورات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد)، وواصلن قيادة المجتمعات المحلية في تقديم الخدمات للمجتمعات المتضررة من الحرب، وإطلاق حوارات السلام المحلية ومبادرات التضامن. ويواصل المدافعون عن حقوق الإنسان توثيق الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، مطالبين بالمساءلة وتحقيق العدالة في السودان. وواصلت وسائل الإعلام المستقلة مكافحة روايات الحرب، والمعلومات المضللة، وخطاب الكراهية، والدعاية، مُوفرةً منصات للجهات الفاعلة المؤيدة للسلام للنقاش ومواجهة الترويج للحرب في وسائل الإعلام المنحازة التي تُستخدم بوصفها سلاحاً آخراً في الحرب. كما أسهم الفنانون والمبدعون السودانيون في تعزيز الأصوات الداعية للسلام وتعزيز التماسك الاجتماعي والوحدة، بالإضافة إلى تسليط الضوء على معاناة الشعب السوداني على أيدي الأطراف المتحاربة.
قاد المجتمع المدني الأوسع عدداً من الحملات والدعوات إلى السلام على مدار العامين الماضيين، منها حملة “لا للحرب”، و#CeasefireNow4Sudan، ونداء سلام السودان، ومسارات التقارب المدني في السودان، وغيرها. وهناك العديد من الجهود التي لم تحظ بالاعتراف أو تلاحظ بسهولة نظراً لطبيعتها، بما في ذلك التدخلات المجتمعية والجهود التي تتم خلف الكواليس ويبذلها أفراد لا يتحركون بدافع الحصول على الاعتراف، وإنما بدافع تحقيق النتائج. ويبذل الفاعلون الملتزمون، داخل السودان وخارجه، تضحيات يومية في رسالتهم من أجل إحلال السلام في البلاد.
في المجمل، يصعب قياس هذه الجهود أو إحصاؤها، لكن الجبهة المدنية الأوسع موجودة ولا تزال تتحدث باسم الشعب السوداني تحت ضغط هائل وفي سياق سياسي شديد الاستقطاب والتعقيد. وتتبنى كل من مكوناتها مناهج وأدوار مختلفة ينبغي فهمها وتقدير أهميتها. ومحاولة دفع الحركة إلى الأمام من خلال النّيل من إحدى مكوناتها أو التشكيك المستمر في شرعية الآخرين ليست ممارسة بناءة ولا تخدم تقدّم الحركة. لذا، فبينما قد يكون من السهل انتقاد الجهود المدنية التي بُذلت حتى الآن، فإن تنظيم الناس ليس أمراً سهلاً أبداً، خاصة في خضم حرب تغذيها عقود من الانقسام والتهميش واقتصادات الحرب والتدخل السياسي الخارجي. وكلما تمكنت الحركة الأوسع من تنسيق جهودها والعمل معاً، كلما زادت قوتها، واكتسبت اعترافاً ونفوذاً وقوة في تحديد مستقبل السودان.
مؤخراً، أتاح التحوّل في السياسة الخارجية تجاه أزمة السودان، المتمثل في البيان المشترك الصادر عن الآلية الرباعية، بصيص أمل في إمكانية إنهاء الحرب. وقد أقرّ البيان تحديداً الحاجة إلى “تشكيل حكومة مستقلة بقيادة مدنية تتمتع بشرعية ومساءلة واسعتين”. وقد أتاح هذا لنا جميعاً فرصةً لدعم هذه الجبهة المدنية الأوسع لإنهاء الحرب، وتعزيز مكانتها، وكفالة أن تضع نهاية هذه الحرب تجارب الشعب السوداني وأصواته وتطلعاته في الصدارة.
عملت ميشيل دارسي لما يقرب من 20 عاماً في السودان وجنوب السودان، داعمةً جهودَ المجتمع المدني لبناء دولتين أكثر مساواةً وعدلاً وديمقراطية. وهي حالياً المديرة القطرية للمنظمة النرويجية للمساعدات الشعبية في السودان



